عندما نفكر في سر الحياة الصحية الطويلة، غالبًا ما يتجه تفكيرنا مباشرة إلى نوعية الطعام: خضروات أكثر، أطعمة مصنّعة أقل، بروتين جيد، دهون صحية، وسكريات محدودة. هذا التركيز مفهوم ومنطقي، لكنه لا يروي القصة كاملة.
في السنوات الأخيرة، بدأ العلماء يلتفتون إلى سؤال آخر لا يقل أهمية، وربما كان أكثر تأثيرًا مما نتخيل:
متى نأكل؟
هذا السؤال البسيط فتح الباب أمام مجال علمي ناشئ يُعرف باسم “التغذية الزمنية” (Chrononutrition)، وهو علم يدرس العلاقة بين توقيت تناول الطعام والساعة البيولوجية الداخلية للجسم، تلك الساعة الدقيقة التي تنظّم النوم، والهرمونات، والتمثيل الغذائي، وحتى المزاج.
ومع تزايد الأبحاث في هذا المجال، ظهرت دراسة حديثة كبيرة لتضيف قطعة جديدة ومهمة إلى هذا اللغز، مركّزة بشكل خاص على توقيت وجبة الإفطار، وعلاقته بالصحة وطول العمر.
دراسة تراقب الزمن… والإنسان
في سبتمبر 2025، نُشرت دراسة واسعة النطاق في مجلة Communications Medicine بعنوان:
“أنماط توقيت الوجبات لدى كبار السن وعلاقتها بالأمراض والخصائص الجينية والوفيات”.
الدراسة لم تكن تجربة قصيرة أو محدودة، بل مشروعًا طويل الأمد تابع ما يقرب من 3000 شخص من كبار السن في المملكة المتحدة على مدى سنوات طويلة، بل عقود في بعض الحالات، لرصد كيف تتغير مواعيد تناول الطعام مع التقدم في العمر، وما الذي تعنيه هذه التغيرات للصحة والبقاء على قيد الحياة.
كان متوسط عمر المشاركين عند بداية المتابعة نحو 64 عامًا، بينما امتد نطاق الأعمار من أوائل الأربعينات وحتى منتصف التسعينات. وعلى مدار ما يقرب من 22 عامًا من المتابعة، طُلب من المشاركين مرارًا تسجيل مواعيد وجباتهم اليومية: الإفطار، الغداء، والعشاء، إضافة إلى مواعيد النوم والاستيقاظ.
ولم يقتصر الأمر على الطعام فقط، بل شملت البيانات الحالة الصحية الجسدية والنفسية، جودة النوم، القدرة على تحضير الطعام، صحة الفم والأسنان، بل وحتى معلومات جينية لدى بعض المشاركين تتعلق بالنمط الزمني للجسم (هل الشخص صباحي أم مسائي بطبعه).
ما الذي اكتشفه الباحثون؟
عند النظر إلى الصورة العامة، لاحظ الباحثون نمطًا واضحًا:
كلما تقدم الناس في العمر، تأخر توقيت وجباتهم، وعلى رأسها الإفطار.
في المتوسط، كان الإفطار يُتناول عند حوالي الساعة 8:22 صباحًا. لكن مع كل عقد من العمر، كان الإفطار يتأخر بضع دقائق إضافية. قد يبدو هذا التأخير بسيطًا وغير ذي أهمية، لكنه عندما يتراكم على مدار السنوات، يعكس تغيرًا أعمق في إيقاع الحياة والساعة البيولوجية.
كما لوحظ أن الأشخاص الأكبر سنًا كانوا يميلون إلى تناول وجباتهم في وقت متأخر من اليوم، مع تقليص الفترة الزمنية بين أول وجبة وآخر وجبة، وتقليل الفاصل بين العشاء وموعد النوم.
وعندما قسّم الباحثون المشاركين إلى مجموعتين واضحتين — مبكرين في تناول الطعام ومتأخرين — بدأت الفروق الصحية في الظهور بوضوح.
الإفطار المتأخر… إشارة تحذير صامتة
خلال فترة المتابعة، توفي أكثر من 2300 مشارك. وعند تحليل البيانات، تبين أن معدل البقاء على قيد الحياة بعد عشر سنوات كان أعلى لدى المجموعة التي تحافظ على الإفطار المبكر مقارنة بمن يؤخرون وجباتهم.
الأمر اللافت أن كل ساعة إضافية يتم فيها تأخير الإفطار ارتبطت بزيادة ملموسة في خطر الوفاة، حتى بعد الأخذ في الاعتبار عوامل أخرى مثل العمر، والحالة الصحية، ونمط الحياة.
لكن القصة لا تتوقف عند الأرقام. فقد ارتبط الإفطار المتأخر أيضًا بسلسلة من المؤشرات الصحية المقلقة:
إرهاق مزمن، أعراض اكتئاب وقلق، مشاكل في النوم، تدهور صحة الفم، صعوبة في تحضير الوجبات اليومية، بل وحتى ميول جينية تشير إلى نمط حياتي مسائي.
وهنا يطرح العلماء سؤالًا مهمًا:
هل الإفطار المتأخر هو السبب؟ أم أنه علامة على تدهور الصحة واضطراب الإيقاع اليومي؟
ليس سببًا مباشرًا… بل مرآة للحالة الصحية
الباحثون كانوا حذرين في استنتاجاتهم. هذه دراسة رصدية، لا تثبت أن تأخير الإفطار يسبب الوفاة المبكرة بشكل مباشر. لكنهم يشيرون إلى أن تغير مواعيد الوجبات، خاصة الإفطار، قد يكون مؤشرًا مبكرًا على خلل صحي أو نفسي أو اضطراب في الساعة البيولوجية.
الدكتور حسن داشتي، الباحث الرئيسي في الدراسة، عبّر عن ذلك بوضوح حين قال إن مراقبة مواعيد الطعام قد تكون وسيلة بسيطة وسهلة لرصد التغيرات الصحية لدى كبار السن، وربما ناقوس خطر مبكر يدعو إلى فحص أعمق للحالة الجسدية أو النفسية.
إذن… ما هو أفضل وقت لتناول الإفطار؟
بالجمع بين نتائج هذه الدراسة وما نعرفه عن التغذية الزمنية، تظهر صورة متوازنة وبعيدة عن التطرف.
لا يتعلق الأمر بساعة محددة على الحائط، بل بعلاقة الإفطار بموعد الاستيقاظ. تناول الطعام في وقت قريب من الاستيقاظ — عادة خلال نصف ساعة إلى ساعة — يبدو أكثر انسجامًا مع الساعة البيولوجية للجسم.
فإذا كنت تستيقظ بين السادسة والسابعة صباحًا، فإن تناول الإفطار بين السابعة والثامنة والنصف قد يكون توقيتًا مناسبًا. أما دفع الإفطار باستمرار إلى أواخر الصباح، أو تخطيه كليًا، خاصة مع التقدم في العمر، فقد يضع الجسم في نمط أقل توازنًا.
لماذا قد يكون الإفطار المبكر مفيدًا؟
الجسم في ساعات الصباح يكون أكثر استعدادًا للتعامل مع الطعام. حساسية الإنسولين تكون أعلى، والهضم أكثر كفاءة، والهرمونات في وضع يسمح باستخدام الطاقة بدلًا من تخزينها.
كما أن تناول الطعام مبكرًا يساعد على ضبط الإشارات الزمنية للأعضاء الداخلية، مثل الكبد والعضلات، بحيث تعمل بتناغم مع الدماغ ودورة الضوء والظلام.
وعندما تصبح مواعيد الطعام متوقعة ومنتظمة، يتحسن تنظيم الشهية، ويقل اضطراب النوم، وتصبح عملية الأيض أكثر استقرارًا.
التوقيت وحده لا يكفي
من المهم التأكيد أن توقيت الإفطار لا يعوّض عن جودة الطعام. الإفطار المبكر لا يكون صحيًا إذا كان قائمًا على السكريات المكررة والأطعمة الفقيرة غذائيًا.
الإفطار المثالي لدعم الصحة وطول العمر هو ذاك الذي يجمع بين البروتين، والألياف، والدهون الصحية، ويمنح الجسم طاقة حقيقية لبداية اليوم.
كما أن الانتظام هو العنصر الحاسم. الإفطار المبكر يومًا والمتأخر يومًا آخر قد يكون أكثر إرباكًا للجسم من اختيار وقت ثابت ومتوازن.
في النهاية… ماذا نتعلم؟
هذه الدراسة لا تطلب منا تغيير حياتنا جذريًا، ولا تدعونا للاستيقاظ قبل الفجر قسرًا. لكنها تذكّرنا بحقيقة بسيطة وعميقة:
أجسادنا تحب الإيقاع، والانتظام، والانسجام مع الزمن.
الطعام ليس فقط ما نأكله، بل متى نأكله.
وتناول الإفطار في وقت أقرب إلى الاستيقاظ قد يكون خطوة صغيرة، لكنها ذات أثر تراكمي على الصحة، خاصة مع التقدم في العمر.
ففي سعيك لحياة أطول وأكثر صحة، لا تسأل فقط:
ماذا أضع في طبقي؟
بل اسأل أيضًا:
متى أبدأ يومي بالطعام؟
أحيانًا، الإجابة على هذا السؤال البسيط قد تصنع فارقًا كبيرًا!

0 تعليقات