كم مرة شعرت بأنك أصبحت عصبيًا بلا سبب واضح؟ صوت بسيط يزعجك أكثر من اللازم، كلمة عابرة تثير غضبك، أو إحساس داخلي بالضيق وعدم الصبر لا تعرف مصدره.
غالبًا ما نُسارع إلى تفسير ذلك بالتوتر، أو ضغوط العمل، أو “سوء المزاج”.
وأحيانًا نلوم أنفسنا:
«أنا عصبي اليوم»،
«طبعي لم يعد يحتمل»،
أو نبحث عن تفسير طبي سريع:
«ربما سكر الدم منخفض».
لكن الحقيقة أعمق… وأبسط في الوقت نفسه.
الكثير من تقلبات المزاج التي نعيشها يوميًا لا تبدأ من الدم، ولا من الهرمونات، بل من شيء نغفله تمامًا: إحساسنا بالجوع قبل أن ننتبه له.
ما لا نلاحظه هو ما يتحكم بنا
الجسم يتحدث معنا طوال الوقت.
لكننا تعلمنا – دون قصد – أن نتجاهل لغته. قبل أن تشعر بالجوع الواضح، وقبل أن تسمع صوت المعدة، يبدأ الجسم بإرسال إشارات خفيفة جدًا:
انخفاض بسيط في الصبر، تشوش خفيف في التركيز، شعور داخلي بأن “شيئًا ما ليس على ما يرام” إذا التقطت هذه الإشارات مبكرًا، يمر اليوم بسلاسة.
أما إذا تجاهلتها، فالعقل يحاول تفسير هذا الانزعاج، وغالبًا ما يترجمه إلى عصبية، توتر، أو غضب. وهنا يبدو المزاج وكأنه “انقلب فجأة”، بينما الحقيقة أنه كان يتدهور بهدوء منذ ساعات.
لماذا هذا الأمر مهم فعلًا؟
لأن تقلب المزاج لا يؤثر فقط على شعورك الداخلي. بل يغيّر طريقة كلامك، حدة ردودك، قدرتك على التفكير بهدوء، وتعاملك مع أقرب الناس إليك.
العصبية الصغيرة المتكررة لا تختفي، بل تتراكم. تخلق توترًا في العلاقات، قرارات أقل حكمة، وشعورًا دائمًا بأنك “على الحافة”. والمؤلم أن كثيرين يعيشون هذا النمط يوميًا
دون أن يعرفوا أن السبب ليس ضعف شخصية… بل ضعف وعي بإشارات الجسد.
ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟
دراسة حديثة تابعت أشخاصًا أصحاء تمامًا في حياتهم اليومية، ليس في مختبر، ولا في ظروف مصطنعة. كان المشاركون يأكلون، يعملون، ينامون، ويتوترون كأي شخص عادي. وفي الوقت نفسه، تم تتبع مشاعرهم، إحساسهم بالجوع، ومستوى السكر في الدم.
النتيجة كانت واضحة وصادمة للبعض:
المزاج لم يتأثر بأرقام السكر بقدر ما تأثر بإحساس الشخص بالجوع نفسه. عندما شعر الناس بالشبع، تحسّن مزاجهم. وعندما شعروا بالجوع، انخفض.
لكن الأهم:
عندما أُخذ “الإحساس بالجوع” في الاعتبار، فقدت أرقام السكر أهميتها تقريبًا.
بمعنى آخر:
ليس ما يحدث في دمك هو ما يحدد مزاجك، بل ما تلاحظه داخل جسدك.
لماذا بعض الناس أكثر هدوءًا رغم الظروف نفسها؟
الفرق لم يكن في الوزن، ولا في مقاومة الإنسولين، ولا في العمر. الفرق كان في شيء واحد: القدرة على ملاحظة الجوع مبكرًا.
الأشخاص الذين يلتقطون الإشارة الأولى للجوع لا يصلون إلى مرحلة العصبية الحادة. لا يشعرون بارتفاع حاد في المزاج، ولا بهبوط مفاجئ. مشاعرهم أكثر استقرارًا، وردود أفعالهم أهدأ. ليس لأنهم “أقوى”، بل لأنهم أكثر وعيًا بما يحدث داخلهم.
الجوع لا يرفع الطاقة… بل يخفض المتعة
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد أن الجوع يزيد التركيز أو الحدة الذهنية. في الواقع، الجوع اليومي الخفيف لا يجعلنا أنشط… بل يجعلنا أقل متعة، أقل رضا، وأكثر قابلية للانزعاج.
ومع أول ضغط خارجي – مكالمة مزعجة، زحمة طريق، نقاش بسيط – يتحوّل هذا الانخفاض الداخلي إلى غضب أو توتر. ولهذا يبدو الجوع أحيانًا وكأنه “عصبية”، لا “حاجة للطعام”.
لماذا تسمية الجوع تغيّر كل شيء؟
مجرد أن تقول لنفسك:
«أنا جائع» بدل: «أنا متوتر» أو «الناس مستفزين اليوم» يتغيّر تفسير الدماغ بالكامل.
الألم الداخلي يصبح مفهومًا، لا تهديدًا. وهذا وحده يخفف حدّة المشاعر، حتى قبل أن تأكل.
الجوع الجسدي ليس مثل الجوع النفسي
الجوع الحقيقي يتسلل ببطء: إرهاق خفيف، تشوش، انخفاض صبر.
أما الجوع النفسي فيأتي فجأة: رغبة محددة، اشتهاء، ملل أو ضغط.
الخلط بين الاثنين يجعلنا نأكل بلا وعي، أو نتجاهل الجوع الحقيقي حتى ينفجر في صورة عصبية.
الوعي بالفارق هو ما يمنحك السيطرة.
كيف تستعيد هدوءك دون تعقيد؟
لا تحتاج إلى حساب سعرات، ولا مراقبة أرقام. كل ما تحتاجه هو إعادة الاتصال بجسدك.
اسأل نفسك خلال اليوم: هل أشعر بالثبات… أم أن هناك توترًا خفيفًا؟
لاحظ متى يتحسن مزاجك بعد الأكل. إذا عاد الهدوء سريعًا، فهذا يعني أنك تأخرت قليلًا.
ومع الوقت، ستتعلم أن تأكل قبل أن تصل إلى الحافة، وقبل أن تتحول الإشارة الجسدية إلى رد فعل عاطفي.
الخلاصة
تقلب المزاج ليس ضعفًا. ولا عيبًا في الشخصية. وغالبًا ليس خللًا كيميائيًا كما نتصور.
في كثير من الأحيان، هو جوع لم ننتبه له في وقته. وعندما نعيد احترام هذه الإشارة البسيطة، نستعيد هدوءنا، نحسّن علاقاتنا، ونعيش يومنا بطاقة أكثر اتزانًا…دون صراع دائم مع أنفسنا.
دمتم في أمان الله.

0 تعليقات