في كل مرة نلقي فيها كيسًا بلاستيكيًا، أو نغسل أطباقنا بقفاز مطاطي، أو نسير على طريق مزدحم بالسيارات، نعتقد أن الأثر ينتهي عند هذا الحد.
لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا، وأكثر إزعاجًا.
فما نراه من نفايات بلاستيكية يطفو على سطح البحار ليس سوى الطبقة الظاهرة من المشكلة.
القصة الحقيقية تبدأ في اللحظة التي تلامس فيها هذه المواد الماء… قبل أن تتحول إلى جسيمات دقيقة، وقبل أن تبتلعها الأسماك أو الكائنات البحرية.
في تلك اللحظة، تبدأ المواد البلاستيكية — والمطاطية تحديدًا — في إطلاق خليط كيميائي خفي، لا نراه، ولا نعرف أسماء معظمه، لكنه قادر على إحداث اضطراب بيئي وصحي أعمق مما كنا نتصور.
ليست الجسيمات الدقيقة وحدها هي المشكلة
لسنوات، انصبّ تركيز العلماء ووسائل الإعلام على “الميكروبلاستيك” — تلك الجزيئات المجهرية الناتجة عن تفتت البلاستيك، والتي أصبحت تُكتشف في المحيطات، والأسماك، وحتى في دم الإنسان.
لكن أبحاثًا حديثة تشير إلى أن الخطر الأكبر قد يسبق هذه المرحلة بكثير.
فالبلاستيك لا يحتاج إلى أن يتفتت حتى يصبح مؤذيًا.
مجرد وجوده في الماء يكفي ليبدأ في تسريب مواد كيميائية مصنَّعة أُضيفت إليه أثناء الإنتاج، وظيفتها تحسين المرونة، أو اللون، أو مقاومة الحرارة، أو إطالة العمر الافتراضي.
هذه المواد لا تكون مرتبطة كيميائيًا بالبلاستيك، بل “محشورة” داخله.
ومع الوقت، أو الحرارة، أو الاحتكاك، تبدأ في الهروب.
تجربة صادمة: عندما يصبح “الطبيعي” أكثر سمّية
في مشروع بحثي ضخم يُعرف باسم MicroLEACH، قاده باحثون من معهد SINTEF Ocean، قرر العلماء اختبار أمر بسيط ظاهريًا:
ماذا يحدث للكائنات البحرية عند تعرضها للمواد الكيميائية التي تتسرّب من منتجات نستخدمها يوميًا؟
اختار الفريق 50 منتجًا شائعًا:
أكياس بلاستيكية، ألعاب أطفال، بالونات، قفازات مطاطية، حبيبات إطارات السيارات، ومنتجات منزلية لا تخلو منها أي حياة عصرية.
لكن المفاجأة الكبرى لم تكن في البلاستيك الصلب، بل في المطاط.
المنتجات المصنوعة من المطاط — سواء الطبيعي أو الصناعي — كانت الأكثر سمّية على الإطلاق.
وهو اكتشاف أربك الباحثين أنفسهم، لأن المطاط غير المعالج يُنظر إليه عادةً كمادة “طبيعية” وأقل ضررًا.
إلا أن المعالجة الصناعية، والإضافات الكيميائية، حولت هذه المادة إلى كوكتيل سام غير متوقّع.
آلاف المواد… بلا أسماء
عندما بدأ العلماء بتحليل ما يتسرّب من هذه المنتجات، اصطدموا بحقيقة مذهلة:
أحد إطارات السيارات احتوى على 2,456 سمة كيميائية مختلفة.
وعند جمع نتائج كل المنتجات، بلغ المتوسط مئات المركبات الكيميائية في كل منتج واحد.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في العدد…
بل في أن أكثر من 70% من هذه المواد لم يكن لها تعريف واضح.
لم تكن موجودة في قواعد بيانات المواد الكيميائية المعروفة.
لم يكن لها أسماء تجارية معروفة، ولا توصيفات سمّية دقيقة.
بمعنى آخر:
نحن نستخدم يوميًا منتجات تطلق مواد كيميائية لا نعرف ماهيتها، ولا آثارها طويلة المدى.
عندما تصبح الكائنات الصغيرة مرآة للخطر الكبير
بدأ الباحثون دراستهم بكائنات دقيقة: بكتيريا، وطحالب بحرية (الفيتوبلانكتون).
هذه الكائنات تُعد حجر الأساس في السلسلة الغذائية البحرية.
النتائج جاءت سريعة وواضحة:
المواد المتسرّبة من المطاط أثّرت بشدة على نمو هذه الكائنات، وعلى وظائفها الحيوية.
لكن الفريق لم يتوقف عند هذا الحد.
انتقلوا إلى مرحلة أكثر حساسية: بيض ويرقات سمك القد — أحد أهم الموارد الغذائية في البحار الشمالية.
وهنا أصبحت الصورة أكثر قتامة.
تشوهات، فشل في الفقس… وحياة تبدأ معطوبة
عند تعريض البيض واليرقات لمزيج من الجسيمات البلاستيكية والمواد الكيميائية المصاحبة لها، ظهرت نتائج مقلقة:
بعض البيوض لم يفقس أصلًا
بعض اليرقات نمت بتشوّهات في العمود الفقري تشبه الجنف
اضطرابات واضحة في النمو والتكوين
لكن التجربة الأهم كانت عندما قام الباحثون بـتنظيف الجسيمات البلاستيكية من المواد الكيميائية، ثم أعادوا تعريض الكائنات لها.
والنتيجة؟
لم تظهر أي آثار سامة تُذكر.
هذا الاكتشاف حسم الجدل:
المشكلة ليست في الجسيمات وحدها… بل في الكيمياء التي تحملها.
من البحر… إلى أجسامنا
قد يبدو كل ذلك شأنًا بيئيًا بعيدًا، لكنه في الحقيقة قريب جدًا منا.
فالميكروبلاستيك والمواد الكيميائية المرتبطة به لم تعد حكرًا على المحيطات.
لقد وُجدت في مياه الشرب، والملح، والمأكولات البحرية، وحتى في الهواء.
دراسة لجامعة نيوكاسل قدّرت أن الإنسان العادي يبتلع آلاف الجزيئات البلاستيكية أسبوعيًا، أغلبها من مياه الشرب.
بل إن نسب التلوث في مياه الصنبور كانت مرتفعة في دول متقدمة ونامية على حد سواء.
الطعام… حلقة ملوثة بصمت
ما نأكله لا يتلوث فقط بسبب التغليف البلاستيكي، بل بسبب عملية التصنيع نفسها.
خلال البسترة، والنقل، والتعبئة، والتخزين، يمر الطعام عبر أنابيب بلاستيكية، وأحزمة نقل، وقفازات، وأسطح معالجة، جميعها قادرة على تسريب مواد مثل الفثالات — المعروفة بتأثيرها على الهرمونات والمناعة.
حتى الحليب، الذي يُفترض أنه غذاء نقي، ثبت تلوثه بهذه المواد في مراحل متعددة:
من آلات الحلب، إلى الأعلاف، إلى العبوات.
البلاستيك في تفاصيل حياتنا اليومية
الأمر لا يتوقف عند الطعام.
الفثالات ومركبات مشابهة توجد في:
مستحضرات التجميل
العطور
منظفات الملابس
معطرات الجو
الستائر البلاستيكية
الأحذية والمعاطف المطاطية
هذه المواد لا تمنح المنتج رائحة أفضل أو لونًا أجمل فحسب، بل تساعده على الالتصاق بالجسم وامتصاصه عبر الجلد.
ماذا نفعل أمام هذا الطوفان؟
لا يمكننا الهروب الكامل من البلاستيك في عالمنا الحديث، لكن يمكننا تقليل التعرض.
الخطوة الأولى تبدأ بالوعي:
أن نفهم أن البلاستيك ليس مجرد مادة صلبة، بل نظام كيميائي نشط.
ثم تأتي الخيارات اليومية:
اختيار الزجاج بدل البلاستيك، تقليل التغليف غير الضروري، تجنّب تسخين الطعام في عبوات بلاستيكية، والضغط كمستهلكين من أجل بدائل أكثر أمانًا.
كما تقول إحدى الباحثات في المشروع:
نحن نعيش في زمن لم يتعرض فيه الإنسان لكمية تلوث كهذه من قبل…
وما نعرفه اليوم قد لا يكون سوى البداية.
الخلاصة: الخطر الصامت
القصة الحقيقية للبلاستيك ليست في شكله، بل في ما يتركه خلفه دون أن نراه.
مواد بلا أسماء، بلا تحذيرات واضحة، تتسلل من البحر إلى الطعام، ومن المنتجات إلى أجسامنا.
ومع أن العلم بدأ يكشف هذه الحقيقة، إلا أن القرار النهائي يبقى بأيدينا:
إما أن نستمر في التعامل مع البلاستيك كأمر عادي…
أو نعيد التفكير في علاقتنا معه، قبل أن تصبح آثاره أعمق مما يمكن إصلاحه.

0 تعليقات