لماذا يصيب سرطان القولون الشباب اليوم؟ السبب أقرب مما تتخيل


لسنوات طويلة، كان سرطان القولون والمستقيم يُنظر إليه كمرض يصيب كبار السن. تشخيص يأتي غالبًا بعد الخمسين، مرتبط بالتقدم في العمر، وكأن الشباب في مأمن طبيعي منه.لكن هذا التصور لم يعد دقيقًا.


في العقود الأخيرة، بدأ الأطباء يلاحظون ظاهرة مقلقة: أعداد متزايدة من حالات سرطان القولون تظهر لدى أشخاص في الثلاثينات وحتى العشرينات من العمر. شباب في قمة نشاطهم، لا يشكون من أمراض مزمنة، يُفاجؤون بتشخيص لم يكن في الحسبان.


هذا التحول لم يحدث فجأة، ولم يأتِ من فراغ. بل تزامن مع تغيّر عميق في أسلوب حياتنا… وعلى رأسه ما نأكله كل يوم دون انتباه.




حين يصبح الطعام السريع غذاءً يوميًا


قبل جيل أو جيلين، كان الطعام المصنّع استثناءً. اليوم، أصبح القاعدة. علبة إفطار جاهزة صباحًا. مشروب مُحلّى أو “دايت” مع الوجبة. خبز معبأ يدوم أسابيع. صلصة جاهزة بدل مكونات حقيقية.


أطعمة لا تحتاج طبخًا، ولا وقتًا، ولا جهدًا. لكنها أيضًا لا تشبه الطعام الذي عرفه البشر لآلاف السنين.


العلماء يطلقون على هذه الفئة اسم الأطعمة فائقة المعالجة، وهي ليست مجرد “أطعمة غير صحية”، بل منتجات صناعية أُعيد تشكيلها بالكامل داخل المصانع. ومع ازدياد اعتمادنا عليها، بدأ الجسم يدفع الثمن… بطرق لم نكن نتوقعها.


ماذا تقول الدراسات الحديثة؟


دراسة كبيرة نُشرت في مجلة JAMA Oncology حاولت الإجابة عن سؤال مقلق:

هل هناك علاقة بين الإكثار من هذه الأطعمة وارتفاع خطر الإصابة المبكرة بأورام القولون؟


الباحثون تابعوا عشرات الآلاف من النساء على مدار سنوات، وراجعوا أنماطهن الغذائية بدقة، ثم قارنوا ذلك بنتائج فحوصات القولون التي أُجريت لهن قبل سن الخمسين.


النتيجة لم تكن عابرة، ولا سهلة التجاهل.


النساء اللواتي اعتمدن بشكل كبير على الأطعمة فائقة المعالجة، كنّ أكثر عرضة بنسبة ملحوظة لتكوين أورام حميدة في القولون، وهي أورام تُعد الخطوة الأولى في طريق سرطان القولون.


هذه الأورام لا تظهر فجأة كسرطان، بل تتكوّن ببطء، بصمت، عبر سنوات من التهيّج والخلل داخل الأمعاء.


الخطر لا يأتي من صنف واحد… بل من “الخليط”


الأمر اللافت في الدراسة أن الخطر لم يكن مرتبطًا بنوع واحد محدد من الطعام.

لم يكن “المذنب الوحيد” هو السكر، أو المشروبات الغازية، أو الخبز وحده. بل إن التأثير بدا كأنه نتيجة تراكمية.


صلصات جاهزة، مشروبات مُحلّاة أو صناعية، مخبوزات معبأة، أطعمة إفطار سريعة…كلها معًا تشكّل ما يشبه “كوكتيل” من المواد المضافة، التي تتفاعل داخل الأمعاء، وتؤثر على:

بطانة القولون

توازن البكتيريا النافعة

قدرة الأمعاء على حماية نفسها

ليس لأن الجسم ضعيف، بل لأنه لم يُصمَّم للتعامل مع هذا الكم من المواد الغريبة يومًا بعد يوم.


لماذا القولون تحديدًا؟


القولون ليس مجرد أنبوب تمرّ عبره الفضلات. إنه عضو حي، مليء بالخلايا المناعية، والبكتيريا النافعة، وآليات ذكية لإصلاح نفسه. لكن هذه المنظومة تعتمد على بيئة داخلية مستقرة.


عندما يدخل الطعام الطبيعي، الغني بالألياف والمكونات الكاملة، تتغذى البكتيريا الجيدة وتنتج مواد تحمي بطانة القولون. أما عندما يهيمن الطعام الصناعي: تقل الألياف وتختل البكتيريا وتضعف الطبقة الواقية وتصبح الخلايا أكثر عرضة للالتهاب والتحوّل غير الطبيعي


ومع مرور السنوات، تبدأ التغيرات الصغيرة في التراكم… حتى تتحول إلى مشكلة كبيرة.


ما المقصود فعلًا بالأطعمة فائقة المعالجة؟


كثيرون يظنون أن المصطلح يعني فقط “الوجبات السريعة”. لكن الحقيقة أوسع من ذلك.


الطعام فائق المعالجة هو أي منتج:


مصنوع أساسًا من مكونات معزولة


يحتوي على إضافات لا تُستخدم في المطبخ المنزلي


صُمم ليكون طويل الصلاحية وسهل الاستهلاك


وغالبًا شديد الإغراء للطعم والشكل


قد يبدو “صحيًا” من الخارج،

وقد يحمل ادعاءات مثل “قليل الدسم” أو “خالٍ من السكر”،

لكن تركيبته الداخلية تروي قصة مختلفة تمامًا.


لماذا يصعب التوقف عن هذه الأطعمة؟


لأنها لم تُصمَّم لتُشبعك… بل لتجعلك تعود إليها مرة بعد مرة.


تركيبة القوام، والنكهات، والروائح، وحتى ألوان العبوة، كلها مدروسة لتحفيز الدماغ، وتعطيل إشارات الشبع الطبيعية.


النتيجة؟

تأكل أكثر مما تحتاج. وتشعر بالجوع بسرعة. وتدخل في دائرة يصعب كسرها دون وعي.


البداية ليست بالحرمان… بل بالفهم


التقليل من هذه الأطعمة لا يبدأ بتأنيب النفس، ولا بقرارات قاسية فجائية. بل يبدأ بسؤال بسيط:

هل ما آكله يشبه الطعام الحقيقي؟


عندما يعود الطعام ليحتاج مضغًا، وتحضيرًا، وتفاعلًا مع المطبخ، تعود إشارات الشبع للعمل، ويستعيد القولون بيئته الطبيعية تدريجيًا.


وجبة حقيقية واحدة في اليوم قد تكون بداية كافية.


حماية القولون رحلة… لا وصفة سحرية


صحة القولون لا تعتمد على عنصر واحد. بل على نمط حياة متكامل:


طعام أقل معالجة، حركة يومية، تقليل التعرّض للسموم، واستعادة علاقة طبيعية مع الأكل.


الجسم يملك قدرة مذهلة على التعافي، لكن بشرط أن نُزيل عنه ما يؤذيه باستمرار.


الخلاصة: المرض لا يظهر فجأة… بل يُبنى ببطء


سرطان القولون المبكر ليس لغزًا غامضًا. إنه نتيجة تراكمات صغيرة، يومية، غير ملحوظة. اختيارات نكررها دون وعي. وأطعمة نظنها عادية لأنها شائعة. وأسلوب حياة يبتعد تدريجيًا عن الطبيعة.


إعادة النظر لا تعني الخوف…بل تعني استعادة السيطرة.


لأن الوقاية الحقيقية لا تبدأ في غرفة الفحص، بل في المطبخ… وفي الوعي.


دمتم في أمان الله.