أحيانًا لا تبدأ القصة بانهيار مفاجئ.لا يحدث شيء درامي.لا تقع حادثة كبرى.
بل تبدأ بشعور بسيط: تعب لا يزول بالنوم، ضيق سريع، انزعاج من أمور صغيرة، إحساس بأن كل شيء “أكثر من اللازم”. ثم يتحول هذا الشعور شيئًا فشيئًا إلى حالة أعمق…حالة تُسمى الاحتراق النفسي.
الاحتراق ليس مجرد توتر عابر، ولا إرهاق يوم عمل طويل. إنه حالة من الاستنزاف الجسدي والعاطفي تتراكم ببطء نتيجة ضغط مستمر أو إحباط طويل الأمد. هو تلك اللحظة التي تشعر فيها أنك استنفدت طاقتك بالكامل، ولم يعد لديك ما تقدمه — لا لنفسك ولا للآخرين.
تشير دراسة واسعة أجرتها مؤسسة Gallup عام 2018 إلى أن ما يقارب ثلثي الموظفين بدوام كامل يعانون درجات مختلفة من الاحتراق في العمل. لكن العمل ليس وحده المسؤول. فالاحتراق قد ينشأ أيضًا من خلل في الإحساس بالسيطرة، أو غياب التقدير، أو فقدان العدالة، أو التناقض بين قيمك وما تعيشه يوميًا.
المشكلة أن كثيرين لا يتحركون إلا بعد أن يكونوا قد غرقوا بالفعل.
والتعافي بعد الوصول إلى القاع أصعب بكثير من تعديل المسار مبكرًا.
الجسد أولًا… لأن العقل لا يعيش منفصلًا عنه
أحيانًا نبحث عن حلول نفسية معقدة بينما الأساس الجسدي مهمل. النوم غير الكافي وحده قادر على تحويل شخص هادئ إلى شخص سريع الانفعال، مشتت، فاقد للحافز.
مراكز السيطرة على الأمراض في الولايات المتحدة، المعروفة باسم Centers for Disease Control and Prevention، تشير إلى أن نحو ثلث البالغين لا يحصلون على سبع ساعات نوم يوميًا. كثير من الناس يحتاجون إلى ثماني ساعات ليحافظوا على توازنهم العصبي.
عندما يقل النوم، يضعف ضبط النفس، ويصبح اتخاذ القرارات الصحية أصعب، ويزداد الشعور بالإجهاد حتى عند أقل ضغوط. النوم ليس رفاهية، بل هو خط الدفاع الأول ضد الانهيار.
ثم يأتي الغذاء.
النظام الغذائي المليء بالسكريات والدهون الصناعية والالتهابات الصامتة يجعل الجسد في حالة توتر دائم. وعندما يكون الجسد في حالة مقاومة مستمرة، يصبح العقل أكثر هشاشة أمام الضغوط. دعم صحة الميتوكوندريا، والحفاظ على مستويات مناسبة من أوميغا-3، وفيتامين د، والمغنيسيوم، كلها عناصر ترفع قدرة الجسم على التكيف مع التوتر.
أما الحركة، فهي ليست مجرد وسيلة لحرق السعرات.
ممارسة الرياضة ثلاث إلى خمس مرات أسبوعيًا لمدة تقارب 45 دقيقة قد تكون “النقطة الذهبية” لتحسين الصحة النفسية. النشاط البدني يعزز إفراز نواقل عصبية مهدئة مثل GABA، ويعيد ضبط الجهاز العصبي بعيدًا عن وضع الطوارئ المستمر.
بمعنى بسيط:
الجسد المنهك لا يستطيع مقاومة الاحتراق طويلًا.
هل تعيش حياة لا تشبهك؟
أحيانًا لا يكون السبب في كثرة المهام… بل في طبيعتها.
قد تبذل جهدًا هائلًا في طريق لا يتوافق مع شخصيتك أو قيمك، فتستهلك طاقتك أسرع مما تدرك.
روبرت ل. بوج، مؤلف كتاب “Extinguish Burnout”، أشار في حوار مع صحيفة The New York Times إلى أن العناية الذاتية الحقيقية هي العودة إلى “الحالة الطبيعية” للشخص — أي ما كان سيفعله لو لم يكن تحت ضغط خارجي.
عندما تعمل ضد طبيعتك، تستهلك طاقة إضافية فقط لتستمر.
فكر في الأمر هكذا:
هل تستمد طاقتك من العزلة أم من الناس؟
هل تشعر بالحيوية عند الإبداع أم عند التنظيم؟
هل تُرهقك الاجتماعات الطويلة أم الصمت الطويل؟
الاحتراق أحيانًا ليس نتيجة كثرة العمل، بل نتيجة العيش في قالب لا يناسبك.
سر “التدفق”… عندما يختفي الزمن
عالم النفس Mihaly Csikszentmihalyi تحدث عن مفهوم “التدفق” باعتباره أحد مفاتيح السعادة. التدفق يحدث عندما تنغمس تمامًا في نشاط تحبه، لدرجة أن الوقت يفقد معناه.
في تلك اللحظات، لا تشعر بالضغط، بل بالتحدي الممتع. لا تشعر بالاستنزاف، بل بالامتلاء.
المفارقة أن أفضل لحظات حياتنا ليست لحظات الراحة السلبية، بل لحظات التمدد الإرادي نحو شيء ذي معنى.
إذا امتلأ يومك بأنشطة لا تمنحك أي إحساس بالتدفق، فإن الاحتراق يصبح نتيجة شبه حتمية.
لا تنتظر وظيفة مثالية كي تعيش حياة متوازنة ليس كل شخص قادرًا على تغيير عمله فورًا. لكن يمكنك تعديل طريقة توزيع طاقتك.
مدربة إدارة الوقت إليزابيث غريس سوندرز، التي تحدثت أيضًا عبر The New York Times، تقترح فكرة بسيطة:
إذا لم تجد التقدير أو المعنى في العمل، ابحث عنه خارجه.
قد يكون في التطوع.
أو في الأسرة.
أو في هواية مهملة.
عندما تمتلئ من مصادر أخرى، يصبح لديك “عازل” يحميك من استنزاف بيئة العمل.
تقبل نفسك… لأن القتال الداخلي يستنزفك
جزء كبير من الاحتراق يأتي من الصراع مع الذات.
الشعور بأنك غير كافٍ، أو أنك دائمًا يجب أن تثبت شيئًا، أو أنك لا تستحق الراحة.
بحث نُشر في مجلة PLOS One أشار إلى أن تقبل الذات يرتبط بانخفاض معدلات الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل. تقبل الذات لا يعني الرضا عن كل شيء، بل الاعتراف بإنسانيتك — بنقاط قوتك وضعفك — دون جلد مستمر.
بعض الأشخاص يجدون فائدة في تقنيات مثل “تقنية الحرية العاطفية” (EFT)، التي تركز على تحرير المشاعر السلبية عبر تحفيز نقاط معينة في الجسم. الفكرة الأساسية، بغض النظر عن التقنية، هي مصالحة الذات بدل محاكمتها يوميًا.
عندما يتحول الإرهاق إلى إنذار خطر
الاحتراق لا يظهر فجأة. غالبًا يسبقه:
تعب مزمن
أرق
تراجع التركيز
فقدان المتعة
شعور داخلي بالانهيار
ثم يبدأ الأداء بالتراجع، رغم بذل جهد أكبر.
قد تظهر أعراض جسدية: صداع، آلام عضلية، مشكلات هضمية.
وترتبط الحالة بزيادة خطر أمراض مثل السكري من النوع الثاني وأمراض القلب.
جراح الأعصاب الدكتور Joseph Maroon تحدث عن تجربته الشخصية مع الاحتراق، مشيرًا إلى أنه لم يدرك عمق المشكلة إلا عندما انهار تمامًا. ما أنقذه لم يكن تقليل العمل فقط، بل إعادة بناء التوازن بين الجوانب الجسدية، والعلاقات، والمعنى الروحي، والنشاط البدني.
الفكرة ليست الهروب من التوتر — فالحياة لن تخلو منه. بل بناء مرونة داخلية تمنعك من الانكسار تحته. قبل أن تصل إلى الحافة
الوقاية دائمًا أسهل من التعافي. لا تنتظر حتى تستيقظ يومًا وتشعر أنك لا تريد النهوض من السرير.
اسأل نفسك الآن:
هل أنام بما يكفي؟
هل جسدي يتحرك بانتظام؟
هل غذائي يدعمني أم يرهقني؟
هل أعيش وفق قيمي أم أتنازل عنها يوميًا؟
هل لدي لحظات “تدفق” حقيقية في حياتي؟
الاحتراق ليس ضعفًا. هو إشارة. إشارة بأن هناك خللًا في التوازن.
وعندما تتعلم قراءة الإشارة مبكرًا، يمكنك تعديل المسار بهدوء، بدل أن تضطر لإعادة بناء نفسك من الصفر.
دمتم في أمان الله.

0 تعليقات