الفوسفات الخفية في طعامنا… كيف تُسرّع الشيخوخة وتُصلّب الشرايين؟


معظم الناس أصبحوا حذرين من السكر الأبيض. نعرف أنه يرفع مقاومة الإنسولين، ويساهم في زيادة الوزن، ويغذي الالتهابات، ويؤثر على الكبد.


لكن في النظام الغذائي الحديث، هناك مركب أكثر خفاءً وتأثيرًا… لا يثير الشك، ولا يوقظ الحواس، ولا يمنحنا ذلك الشعور الفوري بالذنب. إنه الفوسفات الصناعية المضافة إلى الأطعمة المُصنّعة.


ليست الفوسفات الطبيعية الموجودة في اللحوم أو المكسرات هي المشكلة. الحديث هنا عن الفوسفات غير العضوية التي تُضاف أثناء التصنيع لتحسين القوام، وحفظ الرطوبة، وإطالة العمر التخزيني.


المشكلة؟

أنت لا تشعر بها… لكنها تشعر بك.




كيف غيّر التصنيع علاقتنا بالفوسفور؟


عبر آلاف السنين، حصل الإنسان على الفوسفور من مصادر طبيعية مثل:

اللحوم

الأسماك

البيض

منتجات الألبان

البذور والمكسرات

في هذه الحالة، يُمتص الفوسفور ببطء وبنسبة غير كاملة.

الجسم يمتص نحو 60% فقط منه — لأن جزءًا منه يكون مرتبطًا بمركبات يصعب هضمها، خاصة في المصادر النباتية. هذا الامتصاص التدريجي يسمح للكلى والعظام والهرمونات بتنظيم التوازن المعدني بسهولة.


لكن النظام الغذائي الصناعي قلب المعادلة.


الشركات اكتشفت أن الفوسفات المضافة:

تحافظ على الرطوبة

تحسن القوام

تثبت المنتجات

تضبط الحموضة

تمنع التلف

فأصبحت تُحقن في:

اللحوم المصنعة

الدجاج المتبل

الجبن المعالج

الشوربات الجاهزة

مشروبات البروتين

الكولا


تشير أبحاث إلى أن النظام الغذائي الغني بالأطعمة فائقة التصنيع قد يرفع استهلاك الفوسفات بنسبة 41% فوق المعدل الطبيعي.


والأخطر:

الفوسفات الصناعية تُمتص بسرعة شبه كاملة — ما يخلق “موجات” مفاجئة في الدم لم يُصمم الجسم للتعامل معها.


ماذا تفعل الفوسفات بالشرايين؟


عندما ترتفع مستويات الفوسفات بشكل متكرر، تبدأ الأوعية الدموية في امتصاص الكالسيوم داخل جدرانها.


هذه العملية تُعرف باسم التكلس الوعائي (Vascular Calcification) — أي تحوّل الشرايين من أنابيب مرنة إلى أنابيب أكثر صلابة.


النتيجة:

ارتفاع ضغط الدم

زيادة العبء على القلب

ارتفاع خطر النوبات القلبية والسكتات


دراسة حديثة عام 2024 أشارت إلى أن ارتفاع الفوسفات في الدم قد يرتبط بزيادة خطر الوفاة القلبية الوعائية بنسبة تصل إلى 44%.


المشكلة أن هذه التغيرات قد تحدث حتى لو كانت نتائج تحاليلك “ضمن المعدل الطبيعي”.

المعايير السريرية تُبنى غالبًا على حالات النقص الحاد أو الفشل الكلوي — وليس على الحمل المزمن الخفي.


عبء صامت على الكلى


الكلى هي الجهة المسؤولة عن التخلص من الفوسفات الزائدة. لكنها تطورت في بيئة كان الفوسفور فيها يصل ببطء — لا في شكل دفعات صناعية سريعة.


التعرض المستمر للفوسفات المضافة قد:

يجهد قدرة الترشيح

يساهم في تلف أنسجة الكلى

يزيد خطر مرض الكلى المزمن حتى لدى أشخاص بلا سكر أو ضغط


المثير للاهتمام أن مؤسسة American Kidney Fund تصنف ارتفاع الفوسفات غالبًا كـ"عرض" لمشاكل الكلى، لا كسبب محتمل لها — رغم أن بعض الباحثين يرون العكس.


المشروبات الغازية… المشكلة ليست السكر فقط


كثيرون يظنون أن التحول إلى المشروبات الغازية “الدايت” يحل المشكلة. لكن الكولا تحتوي على حمض الفوسفوريك — أحد أسرع أشكال الفوسفات امتصاصًا.


بمعنى آخر حتى بدون سكر، قد تستمر في تحميل جسدك بجرعات مرتفعة من الفوسفات.


وهنا تظهر العاصفة الكاملة:


السكر يضر الكبد والتمثيل الغذائي

الفوسفات تضر القلب والكلى والعظام

إزالة السكر لا تُزيل الخطر بالكامل.


اضطراب هرموني لا يعرفه كثيرون: FGF-23


عندما تعجز الكلى عن التخلص من الفوسفات بسهولة، تفرز العظام هرمونًا يُسمى عامل نمو الأرومة الليفية 23 (FGF-23).


وظيفته حماية الجسم عبر:

زيادة إخراج الفوسفات

منع ارتفاعها المفرط في الدم

لكن عندما يظل مرتفعًا لفترة طويلة، تبدأ المشكلات:

تضخم البطين الأيسر للقلب

اضطراب التوازن المعدني

ارتباط بزيادة معدلات الوفيات القلبية


المفارقة؟

قلة من الأطباء يفحصون هذا الهرمون، رغم أنه قد يكون مؤشرًا مبكرًا على الحمل المعدني الزائد.


ماذا عن العظام؟


نربط الفوسفات عادةً بصحة العظام — لأنها جزء من تكوينها. لكن العلاقة تعتمد على التوازن الدقيق بين الكالسيوم والفوسفات.


عندما ترتفع الفوسفات بشكل مفرط، قد يسحب الجسم الكالسيوم من العظام لتعويض الخلل — ما يؤدي إلى: انخفاض الكثافة العظمية  و زيادة خطر الكسور


الدراسات تشير إلى أن الاستهلاك المرتفع للكولا يرتبط بضعف العظام، خصوصًا لدى النساء — ويبدو أن السبب هو الفوسفات، لا السكر فقط.


لماذا المشكلة غير مرئية؟


لا تسبب الفوسفات طاقة زائفة مثل الكافيين

لا تسبب انهيارًا مفاجئًا مثل السكر

لا تثير أعراضًا مباشرة

أنت لا “تشعر” بالفوسفات.


لكن بعد سنوات قد تجد:


ضغطك أعلى

وظائف كليتك أقل

شرايينك أكثر صلابة


الأمر الآخر أن لوائح التغذية لا تُلزم الشركات بذكر كمية الفوسفات — فقط اسم المادة في قائمة المكونات. أي كلمة تحتوي على "phos" تعني وجود فوسفات. وغالبًا ما يحتوي المنتج الواحد على عدة أنواع منها.


الطريق للعودة إلى التوازن


الخبر الجيد أن الحل ليس معقدًا:


اختر اللحوم الطازجة بدل المعالجة

تجنب اللحوم المحقونة والمتبلة صناعيًا

استبدل الجبن المعالج بمنتجات كاملة طبيعية

اشرب الماء أو الشاي بدل المشروبات الغازية

قلل الأطعمة فائقة التصنيع


عندما يتحول النظام الغذائي نحو الطعام الحقيقي:


ينخفض العبء على الكلى

يتحسن ضغط الدم

يقل الإجهاد المعدني

تنخفض مستويات FGF-23

الجسم يبدأ بالعودة إلى بيئته الطبيعية.


الكلمة الأخيرة


الفوسفات الزائدة قد تكون واحدة من أكثر العوامل الغذائية تسريعًا للشيخوخة في العصر الحديث — ومع ذلك نادرًا ما يُناقش الأمر. ليست الفكرة إثارة الخوف. بل الوعي.


عندما تبدأ في قراءة المكونات، وتلاحظ كلمات “phos”، وتفهم كيف تعمل داخل الجسم — ستتغير علاقتك بالطعام تلقائيًا.


ليس لأنك خائف بل لأنك أصبحت ترى ما كان خفيًا.


دمتم في أمان الله.