هل يمكن أن يكون سبب الإمساك هو طريقة جلوسك على المرحاض؟
قد لا تفكر كثيرًا في الطريقة التي تجلس بها أثناء استخدام المرحاض، لكن هذه العادة اليومية البسيطة قد تؤثر في سهولة التبرز وصحة الجهاز الهضمي.
فإذا كنت تعاني من الإمساك المتكرر، أو تحتاج إلى الضغط بقوة لإخراج البراز، أو تشعر بأن أمعاءك لم تفرغ بالكامل بعد دخول الحمام، فقد يكون هناك عامل بسيط تتجاهله:
وضعية جسمك أثناء التبرز.
على مدار سنوات طويلة، أصبح المرحاض الغربي التقليدي، الذي يعتمد على الجلوس مع ثني الركبتين بزاوية تقارب 90 درجة، هو الخيار الأكثر انتشارًا. لكن هذه الوضعية ليست مطابقة لوضعية القرفصاء التي اعتاد الإنسان استخدامها تاريخيًا أثناء قضاء حاجته.
وهنا تظهر نقطة مهمة: طريقة جلوسك لا تؤثر فقط في راحتك، بل قد تؤثر أيضًا في الزاوية التشريحية التي يمر عبرها البراز أثناء خروجه من الجسم.
الزاوية التشريحية التي تتحكم في سهولة التبرز
لفهم العلاقة بين وضعية الجلوس والإمساك، علينا أولًا التعرف على ما يُعرف باسم الزاوية الشرجية المستقيمية (Anorectal Angle).
هذه الزاوية تتشكل عند اتصال المستقيم بالقناة الشرجية، وتؤدي دورًا مهمًا في التحكم في خروج البراز.
يوجد في هذه المنطقة عضل يُسمى العضلة العانية المستقيمية (Puborectalis)، وهو جزء من عضلات قاع الحوض. تلتف هذه العضلة حول منطقة الاتصال بين المستقيم والشرج، وتساعد على الحفاظ على التحكم في التبرز عندما لا يكون الوقت مناسبًا لدخول الحمام.
عندما تجلس على المرحاض التقليدي، تظل هذه الزاوية أكثر انحناءً نسبيًا، مما قد يجعل خروج البراز أكثر صعوبة لدى بعض الأشخاص، خاصة عندما تكون العضلات مشدودة أو عندما يعانون من الإمساك.
أما عند اتخاذ وضعية تشبه القرفصاء، فإن العضلة العانية المستقيمية ترتخي بصورة أكبر، وتصبح الزاوية أكثر استقامة، مما يساعد على تسهيل مرور البراز.
بمعنى أبسط، تخيل أن خرطومًا مثنيًا يمنع الماء من التدفق بسهولة. عندما تقلل الانحناء، يصبح مرور الماء أسهل. الفكرة هنا مشابهة من الناحية الميكانيكية، وإن كانت عملية التبرز أكثر تعقيدًا من ذلك.
لماذا قد يؤدي الضغط المتكرر إلى مشكلات صحية؟
عندما يكون خروج البراز صعبًا، يميل كثير من الأشخاص إلى الضغط بقوة وبشكل متكرر.
لكن هذا السلوك قد يزيد الضغط على الأوعية الدموية الموجودة حول فتحة الشرج، ويساهم في ظهور البواسير أو تفاقمها، كما قد يضع إجهادًا إضافيًا على عضلات قاع الحوض.
وقد يرتبط الضغط المزمن أيضًا باضطرابات في عملية التبرز، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من خلل في تنسيق عضلات قاع الحوض.
لهذا السبب، فإن تحسين وضعية الجلوس قد يكون خطوة بسيطة تساعد على تقليل الحاجة إلى الضغط، بدلًا من الاعتماد على القوة وحدها لإخراج البراز.
ومن المهم التأكيد على أن وضعية القرفصاء لا تعالج جميع أسباب الإمساك، لكنها قد تجعل التبرز أسهل لدى بعض الأشخاص.
فوائد وضعية القرفصاء لا تقتصر على الإمساك
قد يبدو تعديل وضعية الجلوس أمرًا بسيطًا للغاية، لكن تأثيره المحتمل يمتد إلى جوانب أخرى مرتبطة بعملية الإخراج وصحة قاع الحوض.
أولًا: تسهيل التبرز وتقليل الوقت المستغرق
عندما تكون عضلات قاع الحوض في وضعية مناسبة، قد يصبح خروج البراز أسهل وأقل حاجة إلى الضغط. وقد يساعد ذلك على تقليل الوقت الذي تقضيه في الحمام.
ثانيًا: تقليل الإجهاد على منطقة الشرج
تقليل الضغط المتكرر قد يساعد على تخفيف الإجهاد الواقع على الأوعية الدموية والأنسجة المحيطة بفتحة الشرج، وهو أمر مهم للأشخاص الذين يعانون من البواسير.
ثالثًا: دعم وظيفة عضلات قاع الحوض
تساعد هذه العضلات على دعم أعضاء الحوض والمساهمة في التحكم في المثانة والأمعاء. وتجنب الضغط المفرط قد يقلل من الإجهاد غير الضروري الواقع عليها.
رابعًا: تحسين الشعور بإفراغ الأمعاء
قد تساعد الوضعية المناسبة بعض الأشخاص على إخراج البراز بصورة أكثر اكتمالًا، وتقليل الشعور المزعج بأن جزءًا منه لا يزال موجودًا.
ومع ذلك، فإن الأدلة على الفوائد الإضافية، مثل الوقاية من أمراض القولون الخطيرة، ليست بالقوة نفسها التي تدعم فائدة تعديل الوضعية في تقليل الإجهاد وتسهيل التبرز.
سنستعرض العلاقة المحتملة بين وضعية التبرز ومشكلة الرتوج في القولون، وما الذي وجدته الدراسات حول استخدام مسند صغير للقدمين أثناء الجلوس على المرحاض، بالإضافة إلى طرق عملية لتحسين وضعية الجسم دون الحاجة إلى تغيير المرحاض بالكامل.
أبعد من الإمساك: العلاقة بين وضعية التبرز وداء الرتوج
لا تقتصر الفوائد المحتملة لوضعية القرفصاء أثناء التبرز على تخفيف الإمساك فحسب، بل بحثت بعض الدراسات أيضًا في علاقتها بداء الرتوج، وهي حالة تتكوّن فيها جيوب صغيرة بارزة في جدار الجهاز الهضمي، وغالبًا ما تظهر في القولون.
وجدت دراسة أُجريت في جامعة حجي تبه في تركيا ارتباطًا بين نوع المرحاض والإصابة بأمراض الرتوج. وأشارت نتائجها إلى أن الأشخاص الذين يستخدمون المراحيض الغربية، التي تعتمد على الجلوس، كانوا أكثر عرضة للإصابة بداء الرتوج مقارنةً بمستخدمي المراحيض التقليدية التي تعتمد على القرفصاء.
كما لاحظ الباحثون أن هذا الارتباط ازداد مع طول مدة استخدام المراحيض الغربية، ما يثير تساؤلات حول تأثير عادات التبرز على صحة القولون على المدى الطويل.
ولدى بعض المصابين بداء الرتوج، كانت الجيوب أكثر شيوعًا في الجانب الأيسر من القولون. وقد ربط الباحثون هذه الملاحظة بفرضيات تتعلق بزاوية المستقيم واسترخاء العضلات أثناء التبرز.
ومع ذلك، فإن وجود ارتباط بين وضعية الجلوس وداء الرتوج لا يثبت أن نوع المرحاض هو السبب المباشر للمرض، ولا يعني أن تغيير الوضعية وحده يمنع الإصابة به.
كيف تعدّل وضعية جلوسك لتحسين عملية التبرز؟
قد لا يكون الانتقال إلى مرحاض القرفصاء عمليًا للجميع، لكن يمكنك إجراء تعديلات بسيطة على وضعية جلوسك على المرحاض التقليدي لتحقيق وضعية أقرب إلى القرفصاء الطبيعية.
إحدى الطرق هي استخدام مسند صغير للقدمين أثناء الجلوس. يساعد ذلك على رفع الركبتين إلى مستوى أعلى من الوركين، ما يجعل وضعية الجسم أقرب إلى الوضعية الطبيعية التي يتخذها الإنسان أثناء القرفصاء.
وقد درست جامعة ولاية أوهايو فعالية الأجهزة المصممة لتعديل وضعية التبرز ومحاكاة وضعية القرفصاء. وشملت الدراسة 52 مشاركًا استخدموا جهازًا لتعديل وضعية التبرز لمدة أسبوعين.
وأظهرت النتائج أن المشاركين شعروا بإفراغ أكثر اكتمالًا للأمعاء، وبذلوا جهدًا أقل أثناء التبرز، كما قضوا وقتًا أقصر على المرحاض عند استخدام الجهاز.
ومن اللافت أن مشكلات التبرز لم تقتصر على الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات هضمية مشخصة. فقد أفاد أكثر من نصف المشاركين بأنهم لاحظوا وجود دم على ورق المرحاض خلال العام السابق، بينما أبلغ ربعهم عن الشعور بعدم اكتمال الإفراغ، وذكر ما يقارب نصفهم أنهم يضطرون إلى بذل جهد زائد أثناء التبرز.
وتشير هذه النتائج إلى أن بعض الأشخاص قد يعانون من صعوبات في التبرز دون أن يدركوا مدى تأثيرها على راحتهم اليومية.
ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن كل شخص يحتاج إلى جهاز خاص؛ فقد يكون تعديل وضعية الجسم باستخدام مسند بسيط للقدمين كافيًا لتحسين الراحة لدى بعض الأشخاص.
ماذا تفعل إذا لم يتوفر لديك مسند للقدمين؟
يمكنك تجربة الميل إلى الأمام قليلًا أثناء الجلوس على المرحاض، مع إسناد المرفقين على الركبتين وإرخاء عضلات البطن وقاع الحوض قدر الإمكان.
تساعد هذه الوضعية على تغيير زاوية المستقيم وتخفيف الشد العضلي الذي قد يعيق خروج البراز.
والأهم هو تجنّب الدفع بقوة أو حبس النفس لفترات طويلة. فإذا لم يحدث التبرز بسهولة، فلا تحاول إجبار الجسم على ذلك.
تقنيات جلوس أخرى: هل توجد بدائل؟
إلى جانب استخدام مسند القدمين، طُرحت بعض الوضعيات الأخرى بوصفها وسائل محتملة لتغيير زاوية المستقيم وتسهيل التبرز، ومنها الجلوس مع وضع إحدى الساقين فوق الأخرى.
وهناك طريقة أخرى تتضمن وضع إحدى القدمين على الركبة المقابلة مع تدوير الجذع برفق باتجاه الساق المرتفعة. وقد يُعتقد أن هذه الوضعية تساعد على تغيير وضعية الجسم والضغط على منطقة البطن.
لكن الأدلة العلمية على فعالية هذه الوضعيات البديلة محدودة، ولا يمكن اعتبارها علاجات مثبتة للإمساك. لذلك يُفضّل البدء بالطرق الأبسط، مثل استخدام مسند القدمين، والميل قليلًا إلى الأمام، وتجنّب الشد المفرط.
ومن المهم أيضًا معرفة أن الإمساك لا يتعلق بوضعية التبرز وحدها، بل قد يكون نتيجة عوامل غذائية أو سلوكية أو مرضية تحتاج إلى معالجة السبب الأساسي.
متى يصبح الإمساك مشكلة تستدعي الانتباه؟
يتميز الإمساك عادةً بخروج براز صلب أو جاف، أو صعوبة إخراجه، أو انخفاض عدد مرات التبرز مقارنةً بالمعتاد بالنسبة للشخص.
وقد تظهر معه أعراض أخرى، مثل:
- الشعور بأن الأمعاء لم تُفرغ بالكامل.
- الانتفاخ وتقلصات البطن.
- الحاجة إلى بذل جهد كبير أثناء التبرز.
- الشعور بالثقل أو عدم الارتياح بعد استخدام المرحاض.
وتزداد احتمالية الإصابة بالإمساك مع التقدم في العمر، وخاصةً بعد سن الخامسة والستين.
وفي الحالات المزمنة، قد يؤدي الإمساك الشديد إلى انحشار البراز، وهي حالة قد تتطلب تدخلًا طبيًا. لذلك لا ينبغي تجاهل الأعراض المستمرة أو الاعتماد على تغيير الوضعية وحده إذا لم تتحسن الحالة.
كما لا يُنصح بتجنب الملينات بصورة مطلقة؛ فبعضها قد يكون مناسبًا وآمنًا عند استخدامه بالطريقة الصحيحة وتحت الإرشاد المناسب. ويعتمد اختيار العلاج ومدته على نوع الإمساك وسببه والحالة الصحية للشخص.
إذا كنت تعاني من الإمساك بصورة متكررة، فمن الأفضل مراجعة الطبيب لتحديد السبب ووضع خطة علاج مناسبة تشمل التغذية ونمط الحياة، وقد تتضمن الأدوية عند الحاجة.
اطلب تقييمًا طبيًا سريعًا إذا ظهر دم في البراز، أو فقدان وزن غير مبرر، أو ألم شديد في البطن، أو قيء، أو عجز عن إخراج الغازات والبراز.
الأسباب الشائعة للإمساك
يمكن أن ينتج الإمساك عن مجموعة متنوعة من العوامل، بعضها يرتبط بنمط الحياة، وبعضها الآخر يرتبط بالأمراض أو الأدوية.
تغيير النظام الغذائي أو قلة الألياف والفواكه والخضراوات، الحمل والولادة والتغيرات الهرمونية ايضا التوتر والضغط النفسي، اضطرابات عضلات أو أعصاب الأمعاء والمستقيم والشرج
تجاهل الرغبة في التبرز أو تغيير الروتين أثناء السفر، متلازمة القولون العصبي
قلة النشاط البدني الاضطرابات العصبية، عدم شرب كمية كافية من السوائل و قصور الغدة الدرقية، ايضا استعمال بعض المكملات، مثل الحديد والكالسيوم، الألم أو الانزعاج حول فتحة الشرج، مثل الشقوق والبواسير.
وتشمل الأسباب المحتملة الأخرى الحساسية الغذائية وبعض الأمراض المزمنة، ولهذا فإن تحديد السبب خطوة أساسية لاختيار العلاج المناسب.
عادات طبيعية تساعد على تحسين حركة الأمعاء
إن تعديل وضعية التبرز ليس سوى جزء واحد من العناية بصحة الجهاز الهضمي. ويمكن دعم انتظام حركة الأمعاء من خلال مجموعة من العادات اليومية البسيطة.
أولًا: احرص على شرب كمية كافية من الماء. يساعد الترطيب المناسب على الحفاظ على ليونة البراز وتسهيل مروره عبر الأمعاء. وتختلف احتياجات السوائل من شخص لآخر، خاصةً لدى من يعانون من أمراض القلب أو الكلى، لذلك ينبغي اتباع التوجيهات الطبية الخاصة بهم.
ثانيًا: زد كمية الألياف في غذائك تدريجيًا. توفر الفواكه والخضراوات والبقوليات والحبوب الكاملة الألياف التي تساعد على زيادة حجم البراز وتحسين حركته. ومن الأفضل زيادة الألياف تدريجيًا لتقليل احتمالية الانتفاخ والغازات.
ثالثًا: مارس النشاط البدني بانتظام. تساعد الحركة على دعم وظائف الجسم الطبيعية، بما فيها حركة الأمعاء. وحتى المشي يوميًا قد يكون مفيدًا إذا كان مناسبًا لحالتك الصحية.
رابعًا: لا تتجاهل الرغبة في التبرز. تأجيل الذهاب إلى المرحاض بصورة متكررة قد يجعل تنظيم حركة الأمعاء أكثر صعوبة. حاول تخصيص وقت هادئ ومنتظم للتبرز، دون استعجال أو إجهاد.
خامسًا: جرّب تحسين وضعية الجلوس. يمكن أن يساعد رفع القدمين باستخدام مسند صغير، مع الميل قليلًا إلى الأمام وإرخاء العضلات، على جعل التبرز أسهل لدى بعض الأشخاص.
الخلاصة: تغييرات صغيرة قد تصنع فرقًا
قد تبدو وضعية الجلوس على المرحاض تفصيلًا بسيطًا لا يستحق الاهتمام، لكنها قد تؤثر في سهولة التبرز ومقدار الجهد الذي تحتاج إليه أثناءه.
إن تجربة مسند للقدمين، وشرب كمية كافية من الماء، وتناول الأطعمة الغنية بالألياف، وممارسة النشاط البدني، والاستجابة للرغبة الطبيعية في التبرز، كلها خطوات قد تساعد على تحسين انتظام حركة الأمعاء.
لكن تذكّر أن الإمساك المتكرر ليس دائمًا مجرد مشكلة في وضعية الجلوس. فقد يرتبط بالأدوية أو اضطرابات صحية تحتاج إلى تشخيص وعلاج مناسبين.
الهدف ليس فقط تخفيف الأعراض، بل فهم أسبابها والعناية بصحة الجهاز الهضمي على المدى الطويل.
دمتم في أمان الله.

0 تعليقات